الحكيم الترمذي
135
كيفية السلوك إلى رب العالمين
فإذا جرى هذا الماء الذي قد أصابته زهومة مياه المشركين وأدناسها ؛ أمر بغسل جميع جسده حتى يصل الماء إلى أصل كل شعرة جرى منها الماء ، وأصل هذا الماء ومستقره في الصلب . ألا ترى أنه إذا جرى فإنما يستمر من جميع الجسد ؟ ومما يدل على تحقيق ما قلناه وجود اللذة بجميع الجسد من قرنه إلى قدمه ، فكانت هذه النطفة مع النطف التي أخذ اللّه - سبحانه - ميثاقها يوم الميثاق ، ثم ردّها إلى صلب آدم عليه السّلام . فكانت النطف لها أطباق في ظهر آدم - صلوات اللّه عليه - ومحمد صلى اللّه عليه وسلم في الطبق الأعلى فوق ذلك كله ، فكل نطفة خلق منها خلقا ؛ فهي النطفة التي أحسن اللّه - تبارك اسمه - ميثاقها ، ثم لمّا أنشأها استمدت تلك النطفة من التربية والغذاء ، وكان مستقرها في الظهر ، فلم تزل تنمو وتستمد ، حتى إذا أدرك الإنسان مدرك الرجال ، وامتلأ الصلب فجرت بوجود اللذة . فإذا مات الإنسان جرى ما كان من التربية والغذاء ، فخرج من إحليله ؛ فلذلك غسّلوه بعد الموت . فقد روي في الأخبار : « إنه ليس من ميت يموت إلا يجنب عند الموت » « 1 » . وذلك بجري ذلك الماء ؛ ولذلك يجري الماء عليه . فأمّا أصل الماء الذي كان خرج من أبيه ومنه خلق ؛ فإنه تلك الزبدة والمجة التي يمجها على شدقيه عند خروج الروح والنفس منه . ذكر علّة الصلاة وأمّا علة الصلاة : فإن القيام تسليم النفس إلى اللّه - تعالى - ؛ لأنه لمّا أغفل جواره انتشرت في شهواتها ومناها بما لم يؤذن لها فيه ، فجاء بها ليجدّد تسليما ؛ لأن الإسلام هو قبول العبد من ربه - تعالى - العبودية ، وتسليم النفس إليه طواعية له فيما أمر به حفظ العبودية . وهي ميثاقه الذي واثقه به ، وواثق به جوارحه السبع وهي : السمع ، والبصر ،
--> ( 1 ) هذا الأثر لم أجد فيما لدي من مصادر ومراجع .